قراءة في كتاب : فقه المشاركة السياسية بين التأصيل والممارسة الحلقة الأولى

قراءة في كتاب :

فقه المشاركة السياسية بين التأصيل والممارسة

الحلقة الأولى

بقلم: أبو الحارث المهاجر

بين يدينا كتاب صدر حديثاً بعنوان ( فقه المشاركة السياسية بين التأصيل والممارسة ) للدكتور أبو البراء حسن محمد سلمان ، وهو بحث علمي قدمه لنيل درجة الدكتوراه ، نال عليه درجة الدكتوراه بتقدير ممتاز بمرتبة الشرف من جامعة أم درمان الإسلامية في 2014.

والدكتور أبو البراء حسن سلمان يعتبر من أبرز الشخصيات ومنظري التيار الإسلامي الإرتري ، حاصل على درجة البكالريوس من جامعة أم درمان الإسلامية في الشريعة والقانون عام 1990م ، وعلى درجة الماجستير من جامعة أم درمان الإسلامية في ( فقه الأحكام السلطانية عند الإمام الشاطبي ) بتقدير ممتاز ، وهو سياسي بارز كان عضوا قياديا بالجبهة الإسلامية لتحرير إرتريا في بداية الثمانينيات ، وعضوا مؤسسا للإتحاد الإسلامي لطلبة إرتريا في أغسطس 1985م ، وعضوا مؤسسا لحركة الجهاد الإسلامي الإرتري في عام1988م ، وشغل نائب رئيس المكتب السياسي  لحركة الجهاد الإسلامي الإرتري 1988م – 1993 م ، ونائب أمير حركة الجهاد الإسلامي الإرتري منذ مؤتمر عام 1995م  حتى 2004م ، ومسئول مكتب العلاقات الخارجية  لحركة الإصلاح الإسلامي الإرتري من 2004 حتى 2006 ، وكان رئيس المؤتمر الإسلامي الإرتري  من 2006 حتى 2013م ، وحالياً مساعد رئيس المؤتمر الإسلامي الإرتري ورئيس الأكاديمية العربية للعلوم السياسية والدبلوماسية بتركيا ، قدم عدداً من الندوات السياسية حول أوضاع منطقة القرن الإفريقي ، ولديه عدة مساهمات فكرية وبحوث تتعلق بالشأن العام الإرتري ، يتميز الدكتور بأفكاره الواضحة وأراء فكرية وبعلمه الغزير في العلم الشرعي ، ويسعى لإنزال النصوص الشرعية وترجمتها في الواقع العملي في جميع شئون الحياة ، ومن يقرأ عنوان الكتاب ويبدأ القراءة بدءاً بالمقدمة سوف يجد نفسه كأنه يقرأ في كتاب متخصص في العقائد وليس كتاباً في التأصيل السياسي وذلك لكثرة النصوص الشرعية التي أوردها ، وهذا يدلل على منهجية مؤلف الكتاب واهتمامه بالأدلة لتمليك الحقائق وفق المنظور الشرعي .

هذا الكتاب يتكون من 583 صفحة من الحجم المتوسط ، وهناك عدة عوامل ساهمت في اختيار ( فقه المشاركة السياسية بين التأصيل والممارسة ) عنوانا للكتاب من قِبل المؤلف ، ومن أهمها :

- المساهمة في جانب مهم من جوانب الفقه السياسي الإسلامي وفي موضوع مهم وحساس وواقعي وهو المشاركة السياسية.

- تبديد سيادة منطق الاستبداد عبر العصور بنقيضه المشاركة السياسية باعتبارها البديل عن وحدانية التسلط .

ولتحقيق هذا المقصد يتطلب الأمر تأصيلاً شرعياً لتوضيح رؤية الإسلام في المشاركة ، وتفنيد مزاعم المغرضين والمناوئين الذين يتهمون الإسلام زوراً وبهتاناً بحماية الاستبداد والدكتاتورية .

وأيضاً يعتبر هذا الكتاب مكملاً لرسالة الماجستير ( الأحكام السلطانية عند الإمام الشاطبي ) التي نال فيها درجة الماجستير بتقدير ممتاز بمرتبة الشرف ، بحيث يتمكن المؤلف في كتاب المشاركة السياسية من استعراض بعض المفاهيم التي لم يتمكن من تناولها بشكل مفصل في رسالة الماجستير المتمثلة في قضية سلطان الأمة وحقها في اختيار من يمثلها ، باعتبار الأمة هي الأصل في وراثة النبوة وحمل الرسالة ، ويحسب للمؤلف ويشكر عليه خوضه في عملية البحث والتنقيب لإخراج هذا الكتاب بأروع صورة بالرغم من قلة البحوث والدراسات المؤصلة في قضية المشاركة السياسية ، وبأسلوبه المميز وباطلاعه الواسع تمكن المؤلف من تكوين شخصيته العلمية التي ستتضح لنا في الحلقات المقبلة.

 وتكمن أهمية هذا الكتاب في ملامسته واستقرائه طرحه للواقع السياسي الاستبدادي في التجربة البشرية ، وعرض وإبراز نماذج من الفكر السياسي والممارسة الراشدة ، من أجل تحقيق فاعلية في المجتمع وتحقيق التعايش السلمي بين مكوناته. وهذا مما يساعد على تجنب العوامل التي تؤدي إلى التوتر والاحتراب .

وفي تقديري صدور هذا الكتاب في مثل هذه الظروف المتلاطمة التي يتكالب فيها الأعداء على الأمة وتشتعل فيها الحروب في كثير من الدول العربية والإسلامية ، ومن شخصية مرموقة مثل الدكتور حسن سلمان الذي يتمتع بالقدرة في استنباط النصوص الشرعية وتجربة عملية ثرة في السياسة باعتباره عاش جميع التحولات السياسية في المنطقة الإقليمية منها والدولية ، فإن ذلك يضفي على الكتاب طعما خاصا في التأصيل والتحليل للواقع لجميع الأحداث التي تتعرض لها الأمة. ومن ثم يقدم الحلول السياسية الناجعة التي تخرج الأمة من الذل والهوان إلى شحذ الهمم والنهوض بالأمة مرتكزاً على النصوص الشرعية والتجارب الناجحة .

وهذا الكتاب هو رد رائع ورادع للذين يزعمون أنه لا علاقة لهذا الدين بشئون الدنيا وسياسة أمور العباد ، أو ما يعبر عنه البعض بقولهم لا سياسة في الدين ، ولا دين في السياسة وأن الدين يجب أن ينزوي بين جدران المساجد بوصفها مجالا للتعبد ، وأن تترك شئون الدنيا وساحة السياسة لمذاهب البشر الوضعية وفلسفاتهم الإنسانية ، وذلك طبقاً لمبدأ دع ما لقيصر لقيصر ، وما لله لله . 

الهدف الأساسي الذي يريد أن يوصله المؤلف من خلال هذا الكتاب هو البلورة للوصول لرؤية شرعية متكاملة حول مفهوم المشاركة السياسية ، حيث تعد من أكثر المفاهيم شيوعاً في العلوم السياسية وترتكز عليه النظم الديمقراطية . والمؤلف يهدف إلى تجلية المفهوم وتوضيحه بالتنقيح والتأصيل الشرعي ، ومن ثم الوقوف على الممارسة العملية في التجربة الإسلامية . ومن خلال هذا العرض يؤكد المؤلف على أن حاجتنا للاجتهاد والاستنباط والنظر في ديننا هي الأصل ، ومقدم على استيراد المفاهيم الوافدة إلينا دون تمحيص .

عندما يقدم المرء في التأصيل لقضايا سياسية لمثل عنوان هذا الكتاب الذي نحن بصدده هناك عدة أسئلة جوهرية أشار إليها المؤلف تحتاج إلى إجابة واضحة ومتجردة وهي المتمثلة في : لمن السلطة ؟ أو من أحق الناس بها ؟ وهل يوجد في التصور الإسلامي إجابة واضحة عن كيفية تحقق فاعلية الأمة وسلطانها على نفسها ؟ وهل هناك ما يبرر لحالة الاستبداد التاريخي في الأمة واغتصاب حقها في الولاية وفرض ولاية الغلبة ؟ وهل مفهوم المشاركة السياسية باعتباره أحد أركان الديمقراطية له جذور في التصور الإسلامي ؟ أم هو مفهوم غربي حادث علينا مطلوب إجتنابه ؟

وقد اتبع المؤلف منهج الاستنباط والاستقراء ، والمنهج الوصفي التحليلي في دراسة التجربة التاريخية والمعاصرة للمشاركة السياسية .

ويحتوي الكتاب على مقدمة وفصل تمهيدي به أربعة مباحث ، كما يحتوي على أربعة أبواب يضم كل باب فصول ومباحث .

يتبع في الحلقة القادمة إن شاءالله

 
19-04-2016
Print this page.
http://www.al-massar.com