هجرة الشباب اﻹرتري بعد التحرير إلى أين ؟!! بقلم: الزبيدي

 

من يقف خلف هذا الكم الهائل من المعاناة والمصير المجهول جراء هجرة شعب بأكمله تاركا الوطن خلف ظهره؟  راضيا بالتيه بديلا للاستقرار؟!

وللإجابة على هذه الأسئلة ﻻبد من محاولة كشف أسباب المشكلة وعناصرها الأساسية ، فموجة الهروب المستمر من الوطن الأم إرتريا إلى المجهول من كافة شرائح المجتمع اﻹرتري لم تكن من فراغ  ، وﻻ يمكن أن تكون إﻻ مسنودة بجملة أسباب منطقية بعد أن مني بخيبة أمل في مستقبله جراء ممارسات النظام الحاكم حزب الجبهة الشعبية المعروف اختزاﻻ  بـ (هقدف ) ، وليس سواه أحد يقف خلف التردي والمعانات المستمرة التي فاقت كل التصور ،،، 

فبعد أن كان الشعب اﻹرتري يتطلع لفجر الحرية التي أتت بعد أن دفع الشعب الثمن الغالي بتضحياته الجسام لدحر المحتل اﻹثيوبي لم يستثن في سبيل تحيق حلم الحرية والتحرير أحد من مكونات الشعب اﻹرتري  الرجل والمرأة  الصغير والكبير  الدواب والحجر والشجر ، كلهم  كانوا وقود حرب  التحرير .

ومنذ إعلان التحرير استأثرت الشعبية بكل شيء وجعلت من الوطن حظيرة خلفية خاصة  بمشروعها الطائفي البغيض ، وتنكرت لنضالات الشعب اﻹرتري ، وبددت حلمه بدولة الحرية والقانون ، دولة العدل والرفاهية والأمن المستتب ، التي كان يتشوق إليها ، فانقلبت الموازين ونكست الآمال ،،،

وأمعنت الشعبية في طمس هويته ، وتعمدت تجهيله وتجريده من القيم الدينية والثقافية وعزله من محيطه الافريقي والعربي والإسلامي ، ولم تقتصر أساليبها على ذلك ، بل عمدت إلى افتعال حروب خاسرة مع دول الجوار بمبررات واهية ، كي تجعل الشعب بأكمله أمام محرقة جديدة ليتسنى لها العبور بمشروعها  على أشلائه ، وما أن تندمل الجراح حتى يجد الشعب نفسه أمام موجة جديدة مما بات يعرف بـ (حرب الجياع ) وتتجدد أحزان الشعب المنكوب بطحن أبنائه وشيوخه ، في أتونها المستعرة ، ويزداد وضعه الاقتصادي الهش سوءا كلما دقت طبول الحرب ، وتعطلت ماكينة الحياة العليلة لتحل محلها آلة الحرب والدمار المتعمد ، فلا صوت يعلو فوق صوت البندقية ، وتغلق آمال وتطلعات الأجيال بالعيش الكريم في ظل دولة ذات سيادة واستقلال ، ويتفشى الفقر ويستفحل العوز ، وتنتشر مظاهر الاستنساخ ليكتشف الشعب بعد حين بأن الاستقلال يعنى تجريده من كل قيمه وحقوقه وكرامته ، كما أدرك بأن النظام مهد لفصل جديد من فصول اﻹذﻻل ومسخ الهوية ، ولكن هذه المرة بأيد إرترية عاقة متنكرة لكل جميل ( ما أريكم إﻻ ما أرى ) ، فخنقت عبرات الأسى والحزن شعبنا الأبي وأدرك أن :

ظلم ذوى القربى أشد مضاضة         على المرء من وقع الحسام المهند

واستسلم للأمر الواقع بكل طعمه الحنظلي ، فشرد بهم الطاغية ، باستحداث نضال جديد اسمه الخدمة الوطنية ..... فكان وﻻزال معسكر ( ساوا ) سيئ السمعة وكذا معسكر( ويعا ) في الساحل الشمالي  ، يستقبل جموع الشعب والشباب الإرتري المرغم  لتلقى التدريب فيما يعرف ب (الخدمة ) والتي أصبحت هاجس الأجيال وبوابتهم إلى الآخرة ، و الدخول في قفص الورطة العسكرية الأبدية لمن نجى من الموت !

انتكست إرادة الشعب اﻹرتري بعد أن حقق حلم الاستقلال وتحرير الأرض من المستعمر ، فلم تتحقق له حرية اﻹنسان اﻹرتري ، بل سرقت نضالات وتضحيات الثلاثين عاما هي عمر التحرير ، وساد الوجوم وخوف المجهول من جديد ، وأصبحت البلاد بطولها وعرضها بيوت أشباح سجناً كبيرا يلتهم الأخضر واليابس ، بلا جرم وﻻمحاكمات ، وﻻتسأل عن التصفيات بذرائع مجهولة .

هذه المعطيات وغيرها كثير مما ﻻ يسع المجال لذكره ، جعلت الشعب اﻹرتري أمام أصعب الخيارات وأعقدها ، وهى التفكير في التخلص من الواقع المر ، فكان خيار الهروب هو الأنسب ، حيث شرع شعب الداخل عسكريين ومدنيين ، صغيرهم وكبيرهم ، يتسللون من خلال ثقب الأمل في الحياة ولكن بعيدا عن قبضة الشعبية ووطن المواجع والفواجع وفقدان الأمل ، بعد أن أوكلوا أرواحهم إلى باريها ، تركوا الوطن بما فيه من والدين وإخوان وأبناء وعشيرة ، إن بقى منهم باق من سجن أو موت  أصلا ، فمنهم من اتجه صوب الجارة إثيوبيا ، ومنهم من تدفق بأعداد كبيرة إلى السودان ... امتلأت بهم معسكرات اللجوء من جديد ، ومنهم من ذاب في الحاضنة الاجتماعية  ، وكلما كبرت المعاناة كبر التفكير وارتفع سقف  الأحلام ، فلم تكن السودان محطة أخيرة لطموح الشباب اﻹرتري في رحلة بحثه عن مرابع الحرية (حرية اﻹنسان) ، ومراتع الأمن والأمان لكي ينام قرير العين ، ويتخلص من رعب تعاقب عليه دهرا ،،،  بعد رحلة المخاطر والموت البطيء الذي تعرضوا  له جراء مغامرة الهروب على الأقدام من الداخل ، فمنهم من أصبح فريسة للحيوانات المتوحشة ، ومنهم ألقي  القبض عليهم من قبل زبانية الموت (الشعبية) وأعيدوا للدخول في أقبية وزنازين الجلادين ، ومنهم من وقع ضحايا القنص والمطاردة الحدودية ، ومنهم من  اختطفتهم عصابات الاتجار بالبشر من الرشايدة وغيرهم ، فساقتهم الأقدار إلى المجهول والقصة طويلة جدا ، وفصولها عديدة ، ﻻيستطيع أحدا  أن يقدر حجم المعانات والمآسي التي يتعرض لها شعب الداخل ويتدفق كالبراكين هربا من هولها ، إﻻ الشعب نفسه الذي قرر إخلاء الديار عندما لم تعد مأوى له كما كان يمنى نفسه ويتغزل ... وﻻتخفى عليكم حادثة نقل اللاجئين من معسكر ودشريفي إلى معسكر الشجراب على متن ناقلة تابعة لمفوضية اللاجئين وما تعرضت له من كمين لعصابات الاتجار ، واختطاف 14منهم بعد استهداف الناقلة بالذخيرة الحية ،،،

ومن نجى من تلكم المآسي بدأ رحلة أخرى هي الأطول والأخطر والأكثر كلفه ماديا على اﻹطلاق ، فوقع رهينة بأيدي عصابات التهريب ( الوجه الآخر لتجارة البشر ) ، فيقع ويوقع أهله من بعده في فخ الاستدراج  (رهينة ) دفع المبالغ المالية بعد تهريبه إلى ليبيا ، لو حالفه الحظ بالوصول سالما من رحلة الصحراء الخطرة ، وما أن يدفع له القسط الأول حتى يفاجئ أقاربه بنداء استغاثة من خلال مكالمة من هاتف مهربيه ﻻتكلفهم كثيرا لكنها تفعل الكثير في أهله ، وتضعهم بين خيار الدفع وسلامة ابنهم ، أو بيع ابنهم إلى جهة أخرى أو قتله وبيع أعضائه  ، فيتم الدفع أيضا ، ثم ﻻ تنتهي فواجع اﻹرتريين إلى هذا الحد بل ترتفع  سقوف الطموح بالوصول إلى أوروبا  ، ولكن على ظهر المراكب البدائية وبعض السفن القديمة البالية ، فتبدأ رحلة الموت نهارا جهارا ولسان حالهم يقول : إن عبرت بسلام إلى أوروبا فالحمد لله ، وإن غرقت فهذا قدري ماذا تركت خلفي ، و كما قال الشاعر :

بم التعلل ﻻ مال وﻻ ولد           وﻻ نديم وﻻ خل وﻻ سكن .

ويزفون إلى مثواهم الأخير زمرا بعد قبض عشرات الملايين نظير كل واحد منهم ، ويركبون عباب البحر الأبيض المتوسط ، والموج يخطفهم خطفا ، فتنقلب شراعهم ويغرقون رأى العين وﻻ مناص .... كأنهم كانوا على موعد مع الموت الجماعي الفظيع والعالم يتفرج على حالهم وتتناقل وسائله إعلامه أخبارهم ويذاع غرق اﻵﻻف في كل رحلة ، وتزداد تقرحات أكباد أمهاتهم وأخواتهم وزوجاتهم  بعد أن فرو من جحيم نظام أفورقي الدموي وظن أهلهم أنهم ناجون ... فمأساتهم كبيرة ، آﻻمهم كثيرة ،   جراحهم عميقة ، خصومهم طليقة .

وطئت أقدامهم ما لم تطأه أقدام غيرهم ، وطرقوا في سبيل النجاة من قهر نظام أفورقي الفاشي ، حتى جحور الأفاعي السامة ، فوصل منهم زهاء الثلاثون ألفا إلى دولة الكيان الصهيوني ، عبر صحراء سيناء القاحلة سيرا على الأقدام ، أو زحفا على البطون من تحت الأسلاك الشائكة .. وزخات الرصاص تمطرهم كلما اقتربوا من حدود دولة الأشباح وتقتل منهم ما شاء الله أن تقتل ويصل بعضهم بسلام ، ثم ﻻ تقيم لهم إسرائيل وزنا بعد كل هذا العناء ، فيعيشوا مذلة وتسولا بعد رفض قبولهم لاجئين سياسيين مثل غيرهم !!!

وهذا الضياع وهذه الخسارة كلها ﻻ تحرك شعرة في النظام اﻹرتري ! بل يتندر منهم وﻻ يبالى بمأساتهم . كما ﻻ تلوح في الأفق أية بوادر لنهاية مطاف عناء اﻹرتريين ﻻ من المجتمع الدولي ، وﻻ من المحيط اﻹقليمي ، مع تعذر وانعدام التغيير من الداخل ، كما هو الحال بالنسبة للمعارضة التي عجزت أن تحدث اختراقا في هذا الملف الشائك وتسهم في حل معضلة الهروب إلى  المجهول  وموجة الانتحار الجماعي في شواطئ أوروبا ، في الوقت الذي كاد فيه الوطن أن يصبح خاليا من سكانه جراء ذلك ، مما ينذر بخطر تعرض الاستقلال المزعوم إلى أن يصبح فريسة سهلة يسيل لها لعاب الطامعين لاستعادتها من جديد تحت أقدامهم إلى الأبد ، واستباحة ما تبقى من كرامة الوطن والمواطن اﻹرتري على السواء .

وماذا بعد ، إذا لم يسع الوطن بنيه ، وتنافر ود المواطن لوطنه كتنافر الزجاج المكسور الذي يصعب أن يشعب ؟؟؟

والزحف إلى المجهول ماض حتى إخلاء الرقعة المسماة بإرتريا من سكانها ، أو ( يحكم الله بيننا بأمر ه وهو خير الحاكمين ) .

بقلم الزبيدي

 

 
23-06-2015
Print this page.
http://www.al-massar.com